أحمد بن علي القلقشندي
175
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
الهجوع ، ويغرق العيون بالدّموع ، وللَّه تعالى في عباده أقضية يقضيها ، وأقدار يمضيها ، واللَّه أسأل حسن العاقبة والختام ، وتمحيص الأوزار والآثام . رقعة : كتب المملوك وجسمه صحيح ، وقلبه قريح ، وجنانه سليم ، وجنابه سقيم ، لما يتبادر إليه من نكايات تقدح وتقرح ، وحادثات تكلم وتجرح ، ونوب تهضّ ، وتهدم وترضّ ، وخطوب تخاطب شفاها ، وتوصّل من اليد إلى اليد أذاها ، إلَّا أنّ اللَّه يهبّ ريح المنح ، وقد تداكت المحن فينشفها ، ويشقّ عمود الفرح ، وقد ادلهمّت فيكشفها ، وظنّ المملوك باللَّه تعالى جميل ، وله في صنعه ولطفه تأميل . رقعة : وينهي أنه قد كتب هذه العبوديّة بيد قد أرعشتها الآلام ، يملي عليها قلب قد قلبته الأسقام ، فجسمه ناحل ، وجسده بعد النّضرة قاحل ، وقواه قد وهنت ، وجلادته قد وهت ، وصبره قد تخلَّى واضطرب ، وتحمّله قد نأى واقترب ، وعاد شبحا من الأشباح ، وهباء تذروه الرّياح ، فلو اعتلق بشعرة لم تنصرم ، أو ولج خرت ( 1 ) إبرة خيّاط لم تنفصم ، ولولا الثّقة باللَّه وأنه يتبع السّقم بالصّحّة ، ويشفع المحنة بالمنحة ، لذهب ما بقي من ذمائه ( 2 ) ، وأطلّ على شفا شقائه ، والمملوك يستشرف منه تعالى لطفا يعيد الكليل حديدا ، والمخلق جديدا . رقعة : وينهي أنه قد كتب هذه الرّقعة ، وقد ساء أثر الأيّام عليه ، وقبح صنعها لديه ، وابتلته بمؤلم البلوى ، وأنطقته بلسان الشّكوى ، فهو محترق بنار الغيظ ، يدعو على نفسه بالفيظ ، إن لم يكن فرج يفرّج بين الأضداد ، ولطف يريح من هذا الجهاد ، وكلَّما طلب المزايلة عوّق ، أو طلب الفكاك اعتلق ، فهو قاطن في صورة الظَّاعن ، وحالّ في حال الرّاحل ، واللَّه يمنّ بالمخرج ، ويأتي بالفرج .
--> ( 1 ) خرت الإبرة ، بفتح الخاء وضمّها وسكون الراء : ثقبها . وفي حديث عمرو بن العاص أنه لما احتضر قال : كأنما أتنفّس من خرت إبرة . القاموس المحيط ( خرت ) . ( 2 ) الذماء ، بفتح الذال والميم : بقية الروح في المذبوح . مختار الصحاح ( ذمأ ) .